_
الرقص فوق جثّة الاتحاد!

الرقص فوق جثّة الاتحاد!

كتب المحلل السياسي والاقتصادي الأمريكي، توم لونغو، مقالاً بحثياً في موقع «strategic-culture»، تناول فيه حالة التخبط التي تسود المشهد في أوروبا، وتحديداً في موضوع الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، الذي يراه الكاتب بمثابة هيكل قام بالأساس لخدمة مصالح المصرفيين المأزومين.

تبدو واضحة للعيان مشاكل وأزمات الاتحاد الأوربي، وخاصة تلك المتعلقة ببريطانيا وانسحابها العويص. خاصة وأنّ هذا الانسحاب قد ساهم في تعرية، أولاً: المؤسسة السياسية البريطانية المحافظة الفاقدة لديناميكيتها وغير القادرة على الاستمرار، وهي وعلى وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. وثانياً: الهيكل الأوربي الآيل للسقوط تبعاً لكونه قام بالأساس لخدمة مصالح المصرفيين المأزومين على حساب مصالح الجميع. إنّ شايلوك العالمي، ورأسه شايلوك الألماني فيما يخص الاتحاد الأوربي، لم يعد قادراً على ادعاء الحق بأرطال لحم الشعوب دون أن يريق دمها. ولم تعد الشعوب التي تم تغييبها لفترة طويلة تقبل بإراقة هذا الدم. الشعوب التي وجدت في السترات الصفراء التي تجتاح أوروبا ما يعبّر عنها من خارج المنظومة. ولهذا وضمن هذا السياق علينا أن ننظر في التحليلات عن قرب لنفهم الصورة الأشمل على مبدأ قطع اللوحات المخفية.

بريكزت بلا صفقة مشهد مرعب للنخب

إذا ما نظرنا إلى ما قاله جون بيتلي من «مجموعة بروجز» بأنّ المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل هي في الحقيقة من كتبت اتفاقية بريكزت- الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوربي- فلن يبدو صادماً لنا إذا ما كنّا من متتبعي دراما بريكزت أن نفهم سبب خذلان البرلمان البريطاني مرتين لرئيسة وزرائهِ تيريزا ماي.

لا يريد الاتحاد الأوربي لبريكزت أن يحدث. وإن كان لزاماً حدوثه فسيكون من المقبول أكثر أن يتم رفض الصفقة التي قدمتها السيدة ماي من قبل مجلس العموم. لا أحد حلم بهذه النسخة من بريكزت، لا ناخبو حزب العمال المتساهلين وبالتأكيد ليس المتعصبون أصحاب شعارات «السيادة الوطنية».
إنّ هذه النسخة هي باختصار خيانة لكلّ شيء وطني في جوهره. والحال التي وصلت إليها السيدة ماي ووزراؤها هي ببساطة مخزية.
لقد أخطأت السيدة ماي، وكذلك السيدة ميركل، في حساباتهما عمّا يمكن للشعب البريطاني أن يقبله. من الواضح أنّ كلتيهما لم تفكرا إلّا في نوع النفوذ السياسي الذي يمكن أن تستخدماه في مجلس العموم، والذي قد يجبرهما في نهاية المطاف على الرضوخ للعرض المرعب: بريكزت بلا صفقة.
لكن لا يغركم المظهر، فهذا العرض المرعب سوف ينقلب في أغلبه على ألمانيا التي يترنح نظامها المصرفي بالفعل بسبب الانهيارات الأخرى التي تحدث داخل «كتلة العملات». وكذلك بسبب اقتصادها القائم على التصدير والذي سيعاني إن سيطر البريطانيون على سعر صرف الجنيه الإسترليني مقابل اليورو.
فمن أولى النتائج حال حدوث بريكزت بلا صفقة، هو انخفاض سعر صرف الجنيه الإسترليني، وهو الأمر الذي سيكون جيداً جداً بالنسبة لقطّاع التصنيع البريطاني الذي يعاني منذ فترة طويلة، وسيئاً على القطاع الصناعي في ألمانيا. ذلك أنّ المملكة المتحدة هي أكبر سوق يستوعب الصادرات الألمانية.
إنّ حدوث بريكزت دون صفقة هو الخيار الأفضل للملكة المتحدة سواء من الناحية الاقتصادية أو الفلسفية، لكنّ الوزراء خائفون حدّ الموت من حدوث ذلك.

اتحاد بالٍ

لكنّ الأهم من كلّ هذا، هو أنّ ما يحدث هو مجرّد عرض لمشكلة أعمق بكثير: إنّها الطبيعة غير العملية والثقيلة للاتحاد الأوربي نفسه. فألمانيا والنخب التي دفعت تجاه تحقيق هذا المشروع- وهم الذين أدعوهم بحشد دافوس من المصرفيين غير المنتخبين- عازمون بإصرار على عرقلة أيّ شيء يمنع إكمال مشروعهم.
إنّ الموجة القومية السياسية المتصاعدة على طول القارة هي النتاج لمحاولات هذه النخب أن تشكل اتحاداً سياسياً ونقدياً يتخطى بكثير الولاية التي منحها الناخبون لها عندما انضموا. يهدد هذا الأمر بتمزيق اتحاد السيدة ميركل. لهذا فإنّها، هي وجماعتها في بروكسل، ملتزمون بشكل جدي بالاحتيال على الشعب البريطاني. عليهم أن يبعثوا بالرسالة التحذيرية الصحيحة لإيطاليا وهنغاريا، ولهذا يريدون 39 مليار دولار.
ولهذا يستخدمون الحدود الإيرلندية من أجل ربط المملكة المتحدة بالاتحاد الجمركي وبالسوق المشتركة للأبد. ومن أجل الوضوح، فمثلما عاملت ميركل اليونان بشكل مروّع في 2015 وكان الناس في جميع أنحاء أوروبا ينظرون إلى الأمر على أنّه عديم الضمير وغير معقول، ينظر الناس اليوم لكيفيّة معاملة البريطانيين وهم يعانون ذات الرعب.
لقد شهدت ميركل ويونكر وآخرون الانقسام الحاصل بين حزبي العمال والمحافظين الناجم عن تباين مخططاتهم، وظنوا كذلك بأنّه يشكّل كسباً لهم يمكنهم الاعتماد عليه. لكنّهم مخطئون. فقد يسمح لهم ذلك بركل الكرة على المدى القصير لفترة أطول. لكن على المدى الطويل كل ما ستفعله هذه السياسة هو الإعداد لجولة أخرى من بريكزت تكون في المستقبل مع مجموعة أقل من الظروف المصطنعة المواربة.
فكما قلت سابقاً: لقد أخطأوا الحساب، وقد عيل صبر الشعب البريطاني منهم ومن حكومته. فقد بات الشعب البريطاني يدرك أكثر، بأنّ نواب حزب العمال قد ينفذون إرادتهم أكثر من هؤلاء، ولهذا مغزى مهم.

بريكزت أم محادثات الدَّين اليوناني؟

لقد تسببت السيدة ماي بفوضى في الأشياء عندما حاولت تمرير صفقة فظيعة من خلال البرلمان من شأنها أن ترضي الاتحاد الأوربي، في ذات الوقت الذي تدمّر فيه نظام الحزبين في مجلس العموم. ولهذا أنا أردد على الدوام لمن يعتقدون بأنّ هؤلاء الأشخاص يملكون من القوة ما يجعلهم منيعين ضدّ الهزيمة: إنّهم أذكياء لكنّهم ليسوا فطنين. إنّهم يفعلون ذات الأمر الذي قاموا به من قبل، ويلتزمون بالخطوات المرسومة من قبل. يبدو بريكزت اليوم نسخة طبق الأصل عن محادثات الدَّين اليوناني.
المشكلة، أنّ ميركل لم تحدّث دليل خطواتها الذي كان صالحاً عام 2018. فالمفاوضات لم تكن قصيرة الأجل، بل عملية ممتدة لثلاثة أعوام تعب فيها 66 مليون بريطاني من انتظار النتائج. لقد رأوا الوجه الحقيقي للاتحاد الأوربي، وبات المزيد والمزيد منهم لا يريدون أن يكونوا جزءاً منه.
تحاول ميركل ويونكر اليوم أن يتمسكا بميزتهم التحكمية الملفقة على حساب البريطانيين، وذلك للحفاظ على اتحاد آيل للسقوط. وتحاول ماي مع حكومتها أن تتمسك بالعلاقة بالاتحاد الأوربي بينما المملكة المتحدة نفسها تعاني من خطر الانهيار.

المملكة المتحدة قد لا تبقى متحدة

يضغط الإسكتلنديون من أجل الاستقلال والبقاء في الاتحاد الأوربي. وقد بدأت ويلز بالتفكير في مسار شبيه. ولا تحبّ إيرلندا الشمالية أن تلعب دور حصان طروادة لصالح أيّ أحد.
لقد قللوا من أهمية إرادة الشعب بشدّة، وسيكلفهم هذا القليل المتبقي لهم عند الناخبين. تذكروا بأنّ فقدان الثقة في مؤسسات الحكومة يؤدي إلى فقدان الثقة في الأموال وفي قدرتها على إدارتها. إن كنت تريد ما يحفّز أزمة ديون سيادية أوربية، ليس عليك النظر أبعد من بريكزت في الوقت الحالي، أو في الآثار الحتمية لبريكزت مؤجل.
إنّ تمّت الموافقة على التمديد من قبل الاتحاد الأوربي وتقديمه إلى البريطانيين، فسوف ينتقل المشككون في أوروبا من السيطرة على 32-33% من أصل 705 مقاعد في البرلمان الأوربي، إلى قرابة 35-36% في البرلمان الأكبر الذي يضمّ البريطانيين.
ربّما ربحت ماي وميركل ومن معهم هذه الجولة باستخدام الحمقى التابعين لهم أمثال آنّا سوبري وإيان بلاكفورد، لكنّهم سيخسرون الحرب نظراً لكون بقيّة أوروبا قد عيلت صبراً من إجبارها على المضي على مستقبل لم يختره أحد، ولا يرغب أحد في الدفع مقابله بعد اليوم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
905
آخر تعديل على الإثنين, 18 آذار/مارس 2019 11:07