_
«أستانا».. نواة منظومة إقليمية!
أحمد علي أحمد علي

«أستانا».. نواة منظومة إقليمية!

أُطلق ما يعرف بمسار «أستانا» في بدايات العام 2017 بهدف مباشر ومحدد، وهو: التعامل مع الوضع العسكري الناشئ في سورية على إثر الأزمة التي تمر بها، ولعب هذا المسار دوراً محورياً هاماً في دفع عملية الحل السياسي السوري استناداً إلى القرار الدولي 2254. وليس من المصادفة أبداً أن تكون النقلات النوعية في الحل حصلت في ذلك العام نفسه...

منذ إنشاء منظومة أستانا، أنجزت خطوات أولى عالقة في العديد من الملفات المرتبطة بحل الأزمة السورية: الوصول لمناطق خفض التصعيد، واتفاقات وقف إطلاق النار على أراضٍ سورية واسعة، والفرز الذي أنتجه هذا أخيراً بين المجموعات المسلحة والمجموعات الإرهابية «داعش والنصرة»..

«أستانا» ضرورة!

جاء إطلاق هذا المسار في ظلّ توازنات دولية جديدة، تسجّل فيها القوى الدولية الصاعدة عموماً، وروسيا والصين خصوصاً نقاطاً متقدمة- من حيث الوزن على الساحة الدولية- مقابل الطرف الآخر المتمثل بالغرب وعلى رأسه أمريكا، وانطلاقاً من هذه الحقيقة بالضبط ينبغي فهم «مسار أستانا»، بوصفه شكلاً من أشكال العمل والتنسيق الإقليمي التي تفرضها هذه التوازنات الجديدة...
إن الدول الثلاث الضامنة لهذا المسار، هي روسيا وإيران وتركيا، وتلعب روسيا هنا دور المحرّك الدولي الأساس فيه، في حين تعدّ كل من تركيا وإيران شريكين لهما دور هام أيضاً في الفعل والتأثير بحدود مجالهما الحيوي الذي يتجاوز الحدود الجغرافية المعروفة. وإن محاكمة أولية بسيطة لوزن كِلتا الدولتين على الساحة الإقليمية توضّح للمتابع والمهتم ما يعبّر عنه المسار ضمناً بكونه نواة لمنظومة إقليمية تلعب دوراً هاماً وجوهرياً في منطقتنا، وهي المنطقة ذات الملفات الشائكة والأكثر توتراً عالمياً.
تولّدت لحظة تشكل هذه «المنظومة الإقليمية» انهيار المنظومة الإقليمية السابقة وانخفاض الوزن الأمريكي عموماً وفي المنطقة أيضاً، وما ترافق معه من انخفاض لوزن حلفاء أمريكا في الإقليم، ولكنها استطاعت أن تجمع المتناقضات، لأنها وُلدت من الضرورة... ومع اشتداد التهديد الأمريكي للمنطقة، وتحديداً عبر ضرورة خلق خطوات لحل ملف الأزمة السورية، التي تَحوّل استمرارها وتفاقمها إلى خطر يهدد الجميع.
وليس من المصادفة أيضاً أن تأتي فكرة «أستانا» بعد تنصّل أمريكا من الاتفاق مع روسيا على وقف الأعمال العدائية في سورية، وأن يتقلّص تدريجياً نفوذ عدد كبير من الدول التي تدور في الفلك الغربي، والمتدخلة في الشأن السوري، وعلى رأسها الدول الخليجية مع كل جولة جديدة من «أستانا».

«أستانا.. أداة دولية- إقليمية فعّالة»

تأتي هذه المنظومة تعبيراً مكثفاً عن العلاقة ما بين «الدولي» و«الإقليمي» في السياسة، وتُوَظّف اليوم في رسم إحداثيات الفضاء السياسي الدولي الجديد، الذي تمليه الوقائع الجديدة، تلك الوقائع الدولية التي ظهرت الأزمة السورية كنقطة فاصلة وهامة في تثبيتها، الأمر الذي جعل الأزمة السورية أولى ملفات هذه المنظومة، والتي لن تكون آخر ملفاتها بالتأكيد... وبهذا المعنى؛ فإن التوافق الحاصل حول سورية بين الأطراف الراعية (روسيا- تركيا- إيران) هو توافق إقليمي، وجد تعبيراته الأولى في سورية. لينطلق من وقف إطلاق النار، إلى ملف فصل المسلحين عن الإرهابيين، وصولاً إلى المبادرات السياسية الهامة، كما في مؤتمر سوتشي ومساعي الخطو نحو لجنة دستورية...وليس انتهاءً هنا.

«القادم أعظم»

إن نشوء «منظومة أستانا» الثلاثية، والتي سبق تشكلها تطورات في العلاقات الثنائية بين البلدان الثلاثة الضامنة، تعبّر عن توافق إقليمي قد حصل بحدود معينة عبر هذه المنظومة، وما زال ينمو ويتطور ويتثبّت. وفي هذا الإطار ينبغي تثبيت أهمية دعم هذا التوافق ولجم كل محاولات نسفه وتأريضه، من خلال إن هذا التوافق ليس طارئاً على المنطقة والإقليم، بل سيتحول شيئاً فشيئاً إلى عنصر سياسي هام في التعبير عن التوازنات الدولية الجديدة، والإقليمية المبنية عليها، وستصاغ مهامه وفق ما تقتضي المرحلة والضرورة، وإن كانت البداية في سورية فإن «القادم أعظم»!

«التوتير يستهدف أستانا»

من هنا يمكن فهم حجم الجهود «الغربية - الأمريكية» المبذولة بوتيرة عالية في الآونة الأخيرة لزيادة التوتير في المنطقة. إن «مربط الفرس» في ذلك هو تشكّل نواة لمنظومة بهذا الوزن، بعيداً عن أمريكا، وأمام أعينها، ورغماً عنها. منظومة توجه سهامها الأولى نحو المشروع الأمريكي، وأدواته الإرهابية، وتمهّد بسرعة عالية لخروج الغرب من المنطقة بعد أن كانت تمثل ساحة فعله الأساسية في محاولة حل أزمته المستعصية، والتي كانت إمكانات حل أزمته فيها أعلى من إمكانات حلها في أي مكان آخر.
(ترويكا أستانا) إشارة إلى ما هو أبعد من سورية، وما هو أبعد من (أستانا) ذاتها... إنها الإشارة إلى مرحلةٍ لا يستطيع فيها الأمريكيون أن يستمروا بإيقاد الأزمات، أو يرسموا حلولها وفق هواهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
905
آخر تعديل على الإثنين, 18 آذار/مارس 2019 12:30